ابن جبير
308
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
وهو بلد كبير فيه حمامات كثيرة وقد فجرها الله ينابيع من الأرض وأسالها عناصر لا يكاد البدن يحتملها لافراط حرها فأجزنا منها واحدة على الطريق فنزلنا إليها عن الدواب وأرحنا الأبدان بالاستحمام فيها ووصلنا إلى أطرابنش عصر ذلك اليوم فنزلنا فيها في دار اكتريناها ذكر مدينة أطرابنش من جزيرة صقلية أعادها الله هي مدينة صغيرة الساحة غير كبيرة المساحة مسورة بيضاء كالحمامة مرساها من أحسن المراسي وأوفقها للمراكب ولذلك ما يقصد الروم كثيرا إليها ولا سيما المقلعون إلى بر العدوة فإن بينها وبين تونس مسيرة يوم وليلة فالسفر منها إليها لا يتعطل شتاء ولا صيفا الا ريثما لا تهب الريح الموافقة فمجراها في ذلك مجرى المجاز الغريب وبهذه المدينة السوق والحمام وجميع ما يحتاج اليه من مرافق المدن لكنها في لهوات البحر لإحاطته بها من ثلاث جهات واتصال البر بها من جهة واحدة ضيقة والبحر فاغرفاه لها من سائر الجهات فأهلها يرون انه لا بد له من الاستيلاء عليها وغن تراخى مدى أيامها ولا يعلم الغيب الا الله تعالى وهي مرفقة موافقة لرخاء السعر بها لأنها على محرث عظيم وسكانها المسلمون والنصارى ولكلا الفريقين فيها المساجد والكنائس وبركنها من جهة الشرق مائلا إلى الشمال على مقربة منها جبل عظيم مفرط السمو متسع في أعلاه قنة تنقطع عنه وفيها معقل للروم وبينه وبين الجبل قنطرة ويتصل به في الجبل للروم بلد كبير ويقال ان حريمه من أحسن حريم هذه الجزيرة جعلها الله سببا للمسلمين